الأدوات الشخصية
أنت هنا: الرّئيسة » موضوعات ومقالات » التطور التاريخي للتشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية بالمغرب

التطور التاريخي للتشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية بالمغرب

Document Actions
لقد ارتبطت النشاة التاريخية التجارية المغربية في القرن التاسع عشر ، ارتباطا عضويا بالاقطاع المخزني الجديد ، من جهة . وبالمؤسسات التجارية الراسمالية الاوربية من جهة اخرى . فالاقطاع المركزي الذي كان يحتكر التجارة الخارجية مع اوربا قبل المعاهدة الانجليزية لسنة 1856 ، كان محتاجا لوكلاء تجاريين . يقومون بدور الوساطة مع الشركات التجارية الاجنبية ، وبعض هؤلاء هم الذين ستتشكل منهم لاحقا النواة الاولى للبورجوازية التجارية .


كذلك فان نقل حبوب واصواف وجنود الفلاحين الى اوربا ، وتسويق الشاي والسكر والالبسة المصنعة والشموع والصابون ... المستوردة من الخارج ، داخل البادية المغربية ، مسالة لايمكن تصورها بدون وسطاء محليين ، وهؤلاء الوسطاء هم الذين سيشكلون النواة الثانية للبورجوازية التجارية المغربية .
ان هذه البورجوازية التجارية الناشئة ، قد لعبت دورا اساسيا في نشر البضائع الراسمالية الاوربية داخل البادية المغربية ، وهي من اجل هذا الغرض ، قد استغلت جميع الوسائل الممكنة ، بما فيها التقليدية منها ، مثل ، القوافل والاسواق القروية الصغرى والمواسم .. ولان وجودها التاريخي قد ارتبط اصلا بانفتاح المغرب على التجارة الاوربية الحديثة ، فبالتالي ، كان كلما تعمق ذلك الانفتاح ، الا وصاحبه نمو ورسوخ لراسمالها التجاري ... فمنذ مطلع السبعينات من القرن الماضي ، كانت قد تمكنت من مراكمة راسمال تجاري هام ، سمح لها بتاسيس مؤسساتها التجارية الخاصة بعين المكان الذي كان يعتبر حينئذ الموطن الاصلي لصناعة النسيج في العالم ، الا وهو بريطانيا . هكذا مثلا ، في سنة 1871 كان عدد مؤسساتها التجارية العاملة في لندن ومانشيستر 12 مؤسسة ، كما ان المؤسسات كان لها وكلاء تجاريون في اهم المناطق الايجابية المشهورة بصناعة النسيج .
وفي نهاية القرن اصبحت البورجوازية التجارية المغربية تتوفر على راسمال بالغ الاهمية ، ان المصادر الاساسية التي سمحت لها بمراكمة ذلك الراسمال ، هي ، عدا مصدر الربح التجاري نفسه ، العائد الى النشاط التجاري في حد ذاته .. اربع مصادر اخرى :
1- الربا : ان تراجع الاقتصاد الطبيعي امام تطور الاقتصاد التبادلي في البادية المغربية ، وخاصة في المناطق المجاورة لمدن الموانئ .. ادى الى تقوية دور النقود . والفلاح الذي اصبح مندمجا في الاقتصاد النقدي ، يجد نفسه معرضا باستمرار لضغط الحاجة الى النقود . . . وهذه النقود التي يسيطر عليها التاجر لن يقرضها للفلاح الا مقابل معدل للفائدة جد مرتفع ، يصل الى 360 في المائة سنويا ، وهذا الاستغلال الفظيع للفلاح المغربي من طرف التاجر ، يتم بتزكية المؤسسات الشرعية للدولة ، ذلك ان العامل هو الذي يشرف على العقد بين الدائن والمستدين ، والقاضي يتولى دور المصادقة عليه .
2- الريع العقاري : عن طريق الربا يحصل الفلاح على قروض من التاجر . وحينما تاتي فترة الاستحقاق ، ويجد الفلاح نفسه عاجزا عن تسديد ديونه بسبب سوء المحاصيل الزراعية ، فانه يضطر الى التنازل عن جزء من اراضيه للتاجر ، الذي يصبح بالتالي شريكا في الملكية العقارية .. وعندما تتكرر المسالة ، يتم ازاحة الفلاح وتحويل الملكية بكاملها الى التاجر .. لكن في غالب الاحيان ، يحتفظ التاجر بالفلاح كمجرد مزارع ، مقابل دفع كراء الارض في شكل ريع يقدم للتاجر .. بهذه الطريقة ، تم تمركز الملكية العقارية في ايدي البورجوازية التجارية المغربية في معظم المناطق القروية القريبة من المدن ، الموانئ في نهاية القرن .
3- المضاربة على العقارات الحضارية : ان انفتاح المغرب على التجارة الاوربية ، قد فرض على الشركات التجارية الاوربية ارسال وكلائها التجاريين الى المغرب للاقامة في عين المكان . ان هذه الاقامة تقتضيها وظيفة الوكلاء ، التي تتحدد في : المتاجرة مع المغاربة ، استقبال البضائع وشحنها ، تحديد قيمة الرسوم الجمركية .
ان مجيء هؤلاء الوكلاء التجاريين الى المغرب ، قد خلق بدوره حاجيات جديدة ، تتمثل في : بيوت للسكنى ، محلات للتجارة ، فنادق لاستقبال البضائع وتخزينها ... ان هذه الحاجيات الجديدة قد عملت على تنشيط حركة البناء ، مما سمح للبورجوازية التجارية المغربية بالقيام بالمضاربة على الاراضي العقارية ، التي كانت تجنى منها ارباحا كبيرة ( ان النشاط العقاري بلغ مستوى من التطور الى الحد الذي اصبحت فيه صحافة طنجة تخصص اركانا قارة بالاعلانات عن عمليات البيع والشراء والكراء للمتلكات العقارية ) .
4-اخضاع الصناعة التقليدية : لايمكن تصور تجارة كبرى مع اوربا غير المدن الساحلية ، بدون ازدهار المهن الخدماتية ، مثل : الحمالين ، الباعة المتجولين – الوسطاء – اصحاب فنادق السلع – اصحاب المقاهي والمواد الغذائية ، الخدم . . . وكذلك بدون ازدهار الحرف الصناعية : التجارة والحدادة المرتبطتين بحاجيات السفن – صناعة الحصائر - تلفيف الاصواف المعدة للتصدير – صناعة المواد الاستهلاكية للاستجابة لحاجيات السكان الذين يتزايد عددهم باستمرار بفعل تاثير التجارة .
ان البورجوازية التجارية ، ستجد في مراقبتها وسيطرتها على الصناعة التقليدية النامية ، فرصة اضافية للربح من اجل تطوير راسمالها .. لذلك فهي تعمل على اخضاع الصناع التقليديين للراسمال التجاري . عبر وسيلتين رئيسيتين : التحكم في المواد الاولية التي يحتاج اليها الصانع ، والتحكم في تسويق منتوجاته .
واذن ، فكما ان احتكارها للمال ادى الى افلاس الفلاح بواسطة الربا ونزع منه ارضه وتفويتها للتاجر الذي اصبح يستغله عبر استخلاص الريع العقاري في شكل كراء لتلك الارض . فكذلك ، ان تحكم البورجوازية التجارية في المواد الاولية وفي التسويق ، قد جعل الصانع خاضعا للاستغلال بسبب تعرضه لسيطرة التاجر على فائض انتاجه في شكل ربح تجاري .
ان البورجوازية التجارية المغربية التي ارتبط وجودها العضوي بانفتاح المغرب على التجارة الاوربية والتي لايمكن بالتالي تصور امكانية تطور مصالحها في تلك المرحلة التاريخية ، بمعزل عن التجارة الخارجية الاوربية . ستجد اذن في الحماية الفرنسية على المغرب ، الاطار التاريخي الامثل لتنمية راسمالها ، نظرا للافق الجديد الذي ستفتحه امام انشطتها التجارية . من هنا بالاضافة الى الاقطاع الجديد الذي لم يجد حلا اخر لازمته الطبقية سوى القبول بالحماية الفرنسية . فان البورجوازية التجارية المغربية بدورها مثلت القوة الاساسية الثانية في الداخل ، التي دافعت عن الاختيار الاستعماري الكولونيالي .
وهنا يطرح التساؤل الاساسي : هل الاختيار الاستعماري الكولونيالي ، حامل مشروع النظام الراسمالي الطرفي ، كان الاختيار الوحيد الممكن في تلك الظروف ، وان أي اختيار وطني تقدمي بديل ، كان مستحيلا؟ .
اذا نظرنا للمسالة من زاوية التاريخ المادي الفعلي ، زاوية القوى الاجتماعية الواقعية .. لا من الزاوية السياسية المثالية المجردة .. فيمكن القول ان ذلك الاختيار كان الاختيار الوحيد الممكن تاريخيا ، لماذا ؟
في نفس الفترة التاريخية التي تعرض فيها للضغط الامبريالي تعرض اليابان هو ايضا لنفس الضغط ، ومع ذلك فقد استطاع اليابان ان يشق طريقة بعد ثورة 1867 بقيادة الامبراطور ميجيه ، نحو بناء نظام وطني راسمالي مستقل ، بينما عجز السلاطين المغاربة : عبد الرحمان ومحمد الحسن الاول عن نهج نفس الطريق .
ماهو سر ذلك ؟ هل السلاطين المغاربة كانوا اقل غيرة على بلدهم من زملائهم اليابانيين ؟ ان الصراعات الديبلوماسية التي خاضوها ضد مختلف القوى الامبريالية في تلك الفترة ، تبين العكس ، وهل عقليتهم الثقافية كانت عقلية متزمتة ؟ ان السلطان محمد مثلا ، كان معروفا باهتمامه بالعلوم الحديثة واتقانه للغة الانجليزية ، والى حد ما ، الفرنسية ، كما انه هو والحسن الاول قد قاما بمجموعة من المحاولات الاصلاحية ( البعثات الثقافية للطلبة المغاربة الى جميع انحاء العالم ، بما فيها الولايات المتحدة الامريكية – الجيش الادارة وخاصة الجانب المتعلق بمالية الموانئ التجارية – انشاء بعض الصناعات الحديثة.. )
واذن فان سر ذلك لايمكن البحث عنه في الاشخاص ، او في سياستهم المجردة ، بل الواقع المادي للمجتمع المغربي لتلك الفترة . ان مستوى التطور المادي لذلك الواقع في لحظة التصادم مع اوربا الراسمالية ، لم يكن يسمح بنهج اختيار راسمالي وطني مستقل ، كما حصل في اليابان .
بالنسبة للحالة اليابانية : ان النظام الاقطاعي الياباني ، الذي كان نظاما عتيقا ، قد دخل في مرحلة التفكك منذ نهاية القرن السادس عشر ، ان هذا التفكك قد عبر عنه قانون الاصلاح للنظام العقاري، وهو الاجراء المعروف باسم « الكنشي » ، والذي شرع في انجازه منذ سنة 1582 ، حيث اصبح شاملا لمجموع الاراضي الاقطاعية في القرن السابع عشر في عهد الامبراطور تايكو هيديسسكو .
ومه بداية تفكك النظام الاقطاعي ، حصل نوع من التحرر بالنسبة للفلاحين ، مما مكنهم من السيطرة على جزء من فائضهم الاقتصادي استعملوه كاستثمار لتحسين شروط الانتاج ، ان تطور قوى الانتاج هذا ، قد سمح للفلاحين ، بالتالي ، بتحويل انتاجهم الفائض الى سلعة يتم تسويقها في الاسواق المحلية . هكذا ، اخذ يتحول الاقتصاد الطبيعي الى اقتصاد نقدي . وهكذا ، بدات تتطور الصناعة التقليدية ، وكذلك ، بدات تتطور البورجوازية التجارية اليابانية بارتباط عضوي بالانتاج المحلي المتنامي .
وفي نهاية القرن السابع عشر ( عهد كنروكو) . وصل تطور الانتاجية في الزراعة درجة مكنت الفلاحين من انتاج كميات هائلة من الارز الذي كان يحول الى سلعة ونقود في اسواق المدن المتنامية.
وعلى اساس ذلك التسويق . وما صاحبه من تحريك للنشاط الاقتصادي العام ، ظهرت مدن ضخمة من حيث السكان : اذ منذ القرن السابع عشر بلغ عدد سكان مدينة طوكيو ( التي كانت تسمى في ذلك الوقت بيدو ) مليون نسمة ، ومدينة كييطو اربعمائة الف نسمة ، ومدينة اوزاكا 350000 نسمة .
وفي نفس السياق ، حصل تطور كبير للصناعات الحرفية من طبيعة المانيفاكتورة الراسمالية ، ففي المناطق المشهورة بصناعة النسيج وحدها ، مثل : كبريو – اشيكاكا – بلغ عدد تلك الوحدات الصناعية- الاف وحدة .
لقد كان المجتمع الياباني اذن قبل وقت طويل من بداية الضغط الامبريالي ، يتطور في اتجاه الراسمالية ، وكانت القوى الاجتماعية الاساسية ، حاملة المشروع الجدي ، تتكون من الفلاحين الذين احرزوا على بعض التحرر من الاقطاع ، من جهة ، ومن جهة اخرى ، من الصناع الصغار والمتوسطين . فتطور الفلاحين الاحرار ادى الى بداية الانقسام الاجتماعي في صفوفهم ، وظهور الفلاح الغني الراسمالي والفلاح الفقير المتحول الى عامل زراعي .
كما ان نفس العملية بدات تتم على صعيد الصناعة الحرفية ، بظهور المانيفاكتورا ، التي تربط الصانع الراسمالي بالعامل الماجور .
لذلك فان التناقض الاساسي الذي بدا يمزق المجتمع الياباني في ذلك الوقت ، هو بين تلك القوى الاجتماعية ، حاملة المشروع الراسمالي ، وبين الاقطاع والبورجوازية التجارية الكبرى الذين كانا يتحكمان في جزء هام من الفائض الاقتصادي ، على شكل ريع تجاري بالنسبة للبورجوازية التجارية ، وبالتالي ، حرمان القوى الراسمالية من الاستفادة منه في مجال الاستثمار لتنمية الراسمال الصناعي والزراعي .
ان تطور ذلك التناقض ، كان سيؤدي بالضرورة ، الى قيام ثورة راسمالية راديكالية من طراز ثورة القرن السابع عشر في انجلترا ، وثورة القرن الثامن عشر في فرنسا ... تطيح بالاقطاع والبورجوازية التجارية الكبيرة . لكن هذا لم يحدث بسبب تدخل عنصر المسالة الوطنية : فالضغط الاوربي سمح بقيام مساومة سياسية بين الطبقات المتناحرة . ادت الى خلق وحدة وطنية . من خلال التضحية بالجوانب الاكثر تخلفا في النظام القديم . مثل الغاء الريع العقاري ( لكن مقابل التعويض للاقطاعيين ) والراسمال التجاري والاحتكاري ، ثم مركزة الفائض الاقتصادي في يد جهاز الدولة الذي سيتولى مهمة توجيه الاقتصاد .
هكذا ستتمكن الوحدة الوطنية من مص طاقات الصراع الطبقي للقوى الراسمالية الراديكالية ، وتحويلها الى طاقات للصراع الوطني ضد القوى الاجنبية ، ان جوهر ثورة ميجي سنة 1867 ، لم تكن شيئا اخر غير هذا ، واذا كانت الدولة المركزية اليابانية قد لعبت دورا كبيرا في تطور النظام الراسمالي ، فبالضبط ، لانها استندت على قوى اجتماعية راسمالية ، كانت موجودة سلفا في المجتمع ، فالدولة لايمكن لها ان تصنع شيئا من فراغ ، اما بالنسبة للتجربة المغربية ، فانها تختلف جذريا عن اليابان .
فالنظام الاقطاعي المغربي لم يصل الى مستوى النضج الذي وصله زميله الياباني ، كما ان المجتمع المغربي لم يعرف بزوغ قوة اجتماعية ذات مشروع راسمالي في صفوف الفلاحين والصناع والبورجوازية التجارية المغربية ، لم تربط ظهورها وتطورها بالسوق الداخلية ، كما وقع في اليابان بل بالانفتاح على التجارة الاوربية . لذلك فهي لم تساهم في خلق وحدة وطنية لمواجهة القوى الخارجية ، بل بالعكس ، كانت متلهفة على الارتماء في احضانها .
لكن خارج الاقطاع الجديد والبورجوازية التجارية اللذين قبلا الحماية الفرنسية ، كانت هناك قوى اجتماعية مغربية رافضة ، وضمنها تلك التي سار على راسها السلطان عبد الحفيظ في مطلع القرن العشرين .

منقول من موقع "ahewar.org"

بريد الأخبار